📁 آخر الأخبار

هل يمكن أن تخسر أموالك في السندات؟

لطالما ارتبط اسم السندات بالأمان المطلق في عالم المال، حتى بات الكثيرون يعتبرونها مخزناً لا يمس للمدخرات؛ لكن الحقيقة التي يغفل عنها البعض هي أن هذا الملاذ الآمن ليس محصناً تماماً. فبين تقلبات أسعار الفائدة وتآكل القوة الشرائية، هناك ثغرات خفية قد تؤدي فعلياً إلى خسارة أموالك في السندات. في هذه المقالة، سنكشف لك متى وكيف يمكن أن يتراجع رأس مالك في سوق الدين، وكيف تحمي استثماراتك من مخاطر لم تكن تتوقعها.

هل الاستثمار في السندات آمن فعلًا أم يمكن أن يؤدي إلى خسارة رأس المال؟

يعتقد كثير من المستثمرين أن الاستثمار في السندات هو الخيار الآمن مقارنة بالأسهم، خاصة لمن يبحث عن دخل ثابت واستقرار نسبي. فالسندات غالبًا ما تُوصف بأنها أداة استثمارية أقل تقلبًا، وتُستخدم في المحافظ المالية بهدف تقليل المخاطر. لكن هل يعني ذلك أنها خالية تمامًا من الخسارة؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يشغل بال الكثيرين قبل اتخاذ قرار الاستثمار.

هل الاستثمار في السندات آمن فعلًا أم يمكن أن يؤدي إلى خسارة رأس المال؟
هل يمكن أن تخسر أموالك في السندات؟

الحقيقة أن مخاطر السندات موجودة، لكنها تختلف في طبيعتها عن مخاطر الأسهم. فقد يتأثر سعر السند بتغير أسعار الفائدة، أو بقدرة الجهة المُصدِرة على السداد، أو حتى بظروف السوق العامة. وفي بعض الحالات، قد يواجه المستثمر انخفاضًا في قيمة السند قبل موعد الاستحقاق، مما يثير القلق حول احتمالية خسارة رأس المال.

فهل يمكن فعلًا أن تخسر أموالك عند الاستثمار في السندات، أم أن الأمر يعتمد على طريقة الاستثمار والمدة المختارة ونوع السند نفسه؟ في هذا المقال سنوضح الصورة الكاملة، ونفصل بين المفاهيم الشائعة والواقع الفعلي، حتى تتمكن من اتخاذ قرار مبني على فهم واضح لا على افتراضات عامة.

5 حالات واقعية قد تؤدي إلى خسارة أموالك في السندات

على عكس الاعتقاد الشائع بأن السندات هي مجرد "مخزن آمن"، هناك سيناريوهات محددة يمكن أن تؤدي إلى تناقص قيمة استثمارك أو حتى فقدان جزء من رأس المال. 

👈فهم هذه الحالات هو الخطوة الأولى لحماية محفظتك المالية:

  1. ارتفاع أسعار الفائدة في السوق هذا هو السبب الأكثر شيوعاً للخسارة "الورقية". عندما يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة، تصبح السندات القديمة ذات الفائدة المنخفضة أقل جاذبية. إذا اضطررت لبيع سندك قبل موعد استحقاقه في هذه الظروف، فستبيعه بسعر أقل من قيمته الأصلية لتشجيع المشترين، وهنا تتحول الخسارة من مجرد أرقام إلى خسارة فعلية في رأس المال.
  2. تدهور الجدارة الائتمانية للمصدر (مخاطر التخلف) السند هو وعد بالدفع من جهة معينة (شركة أو حكومة). إذا واجهت هذه الجهة صعوبات مالية أو أعلنت إفلاسها، فقد تعجز عن سداد الفوائد أو حتى رد أصل المبلغ. السندات ذات التصنيف الائتماني المنخفض (High-yield bonds) تقدم عوائد مغرية لكنها تحمل احتمالاً أكبر لهذه الخسارة.
  3. تآكل القيمة بفعل التضخم الجامح قد تسترد أموالك كاملة بالرقم، لكنك تخسرها بـ "القوة الشرائية". إذا كان السند يمنحك عائداً بنسبة 3% بينما التضخم يصل إلى 6%، فإن أموالك تقل قيمتها فعلياً كل عام. في هذه الحالة، أنت لا تخسر المال لأن السعر سقط، بل لأن المال المسترد لم يعد يشتري نفس السلع والخدمات.
  4. انعدام السيولة عند الحاجة للبيع ليست كل السندات سهلة البيع مثل الأسهم الكبرى. بعض السندات (خاصة التابعة لشركات صغيرة) قد لا تجد لها مشترياً فورياً في السوق الثانوي. إذا كنت في عجلة من أمرك لتسييل استثمارك، قد تضطر لقبول "سعر بخس" بعيد جداً عن القيمة العادلة للسند، مما يؤدي لخسارة مباشرة.
  5. تفعيل شرط "الاستدعاء المبكر" بعض المصدرين يضعون شرطاً يتيح لهم إعادة السند للمستثمر قبل موعده إذا انخفضت الفائدة (ليصدروا ديوناً أرخص). الخسارة هنا تكمن في "حرمانك" من العائد المرتفع الذي كنت تعتمد عليه، واضطرارك لإعادة استثمار أموالك في بيئة ذات عوائد أقل، وهو ما يسمى بمخاطر إعادة الاستثمار.

ماذا يحدث للسندات عندما ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة؟

لنتخيل الأمر ببساطة: أنت اشتريت "سنداً" (وهو في الحقيقة ورقة تقول أنك سلفت جهة ما مبلغاً من المال) مقابل فائدة سنوية قدرها 3%. بعد فترة، قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، فأصبحت السندات الجديدة التي تُطرح في السوق الآن تعطي فائدة 5%.

👇هنا يظهر تأثير رفع أسعار الفائدة ، وإليك ما يحدث بالتفصيل:
  • سندك القديم يفقد جاذبيته: إذا قررت أن تبيع سندك (الذي يعطي 3%) في السوق لتسترد أموالك الآن، سيسألك المشتري: "لماذا أشتري منك سنداً بـ 3% بينما يمكنني شراء سند جديد بـ 5%؟".
  • اضطرارك لخفض السعر: لكي يقبل أي شخص شراء سندك القديم، ستضطر لبيعه بسعر أرخص من الثمن الذي دفعته فيه أصلاً. هذا النقص في السعر هو الطريقة الوحيدة لتعويض المشتري عن الفائدة القليلة التي سيأخذها من سندك.
  • خسارة رأس المال: في هذه اللحظة، إذا أتممت عملية البيع، ستكون قد خسرت جزءاً من أموالك فعلياً. أنت بعت الورقة بسعر أقل مما اشتريتها به لأن ظروف السوق تغيرت.
  • علاقة الوقت بالخسارة: القاعدة بسيطة؛ كلما كانت مدة السند طويلة (مثلاً ينتهي بعد 20 سنة)، كانت خسارته أكبر عند رفع الفائدة. لأنك ستكون "محبوساً" بفائدة قليلة لسنوات طويلة جداً، وهذا يجعل بيعه أصعب إلا بخصم كبير في سعره.

💥نقطة مهمة جداً: هذه الخسارة تحدث فقط إذا كنت مستعجلاً وتريد بيع السند قبل موعده. أما إذا قررت أن تتجاهل تقلبات السوق وتنتظر حتى نهاية مدة السند المتفق عليها، فستسترد أموالك كاملة كما هي (إلا إذا أفلست الجهة التي استلفت منك، وهذا موضوع آخر).

هل السندات الحكومية آمنة بنسبة 100%؟

عندما نتحدث عن الأمان في عالم الاستثمار، غالبًا ما تُعتبر السندات الحكومية الخيار الأكثر استقرارًا. والسبب واضح: الحكومات تمتلك أدوات قوية مثل تحصيل الضرائب أو إدارة السياسة النقدية لسداد ديونها. لكن من الناحية الواقعية، لا يوجد استثمار يمكن اعتباره آمنًا بالكامل دون أي مخاطر.

👈إليك أهم المخاطر التي يجب الانتباه لها حتى عند الاستثمار في السندات الحكومية:
  1. مخاطر التعثر السيادي: رغم أن احتمال تعثر الحكومات أقل من الشركات، فإن التاريخ شهد حالات لدول لم تتمكن من سداد ديونها نتيجة أزمات اقتصادية حادة. لذلك فإن أمان السندات الحكومية يرتبط بقوة الاقتصاد واستقرار النظام المالي للدولة.
  2. مخاطر التضخم وفقدان القوة الشرائية: قد تسترد أموالك كاملة مع الفوائد، لكن إذا ارتفع التضخم بشكل كبير، فإن القيمة الحقيقية لما تحصل عليه ستكون أقل. بمعنى آخر، قد تحافظ على "المبلغ" ولكن تخسر جزءًا من قوته الشرائية.
  3. مخاطر العملة وتقلبات السوق: إذا كانت السندات مُسعّرة بعملة محلية ضعيفة أو متقلبة، فقد يتآكل العائد الحقيقي، خاصة للمستثمرين الأجانب. كما أن بيع السند قبل موعد الاستحقاق قد يؤدي إلى انخفاض السعر في أوقات الضغط الاقتصادي.

السندات الحكومية تُعد من أكثر أدوات الاستثمار أمانًا، خصوصًا في الدول ذات الاقتصاد القوي والتصنيف الائتماني المرتفع. لكن الأمان المطلق غير موجود. لذلك يبقى التنويع وتوزيع الاستثمارات بين أدوات وأسواق مختلفة خطوة أساسية لتقليل المخاطر.

هل تخسر المال عند بيع السند قبل موعد الاستحقاق؟

  • الإجابة المختصرة: نعم، في هذه اللحظة تحديدًا قد تتحول الخسارة الورقية إلى خسارة فعلية.
  • عند شراء سند، فأنت تمتلك أصلًا له قيمتان:
  1. قيمة اسمية ثابتة ستحصل عليها عند موعد الاستحقاق.
  2. وقيمة سوقية متغيرة تتأثر يوميًا بعوامل السوق إذا قررت بيعه قبل ذلك الموعد.
👇إليك الأسباب التي قد تؤدي إلى خسارة المال عند البيع المبكر:
  1. تغير أسعار الفائدة في السوق: السندات تُتداول في السوق الثانوي، ويتحدد سعرها بناءً على أسعار الفائدة الحالية. إذا أصبحت الفائدة في السوق أعلى من الفائدة التي يمنحها سندك، سينخفض سعره. ولإتمام عملية البيع، قد تضطر لقبول سعر أقل من السعر الذي اشتريت به، وهنا تتحقق خسارة في رأس المال.
  2. ضعف السيولة أو قلة الطلب: أحيانًا لا يكون هناك طلب قوي على نوع السند الذي تملكه في لحظة البيع. إذا كنت بحاجة إلى سيولة سريعة، فقد تضطر لقبول عرض أقل من القيمة السوقية العادلة، مما يزيد من احتمالية الخسارة.
  3. تكاليف العمولات والوساطة: البيع في سوق السندات يتضمن رسومًا وعمولات. هذه التكاليف قد تقلل أرباحك أو تزيد حجم خسارتك إذا كان سعر السند منخفضًا بالفعل.

إذا احتفظت بالسند حتى موعد الاستحقاق، فإنك تسترد قيمته الاسمية كاملة، بشرط عدم تعثر الجهة المُصدِرة. لذلك فإن البيع المبكر هو العامل الأساسي الذي يجعل تقلبات السوق تتحول إلى خسارة فعلية، وليس مجرد أرقام متغيرة في كشف الحساب.

ما الفرق بين الخسارة الحقيقية والخسارة المؤقتة في السندات؟

في عالم السندات، هناك قاعدة مهمة: ليس كل انخفاض في الأسعار يعني خسارة فعلية للمال. الفرق بين الخسارة المؤقتة والخسارة الحقيقية يشبه الفرق بين انخفاض سعر منزلك في السوق أثناء العيش فيه، وبين بيعه فعليًا بهذا السعر المنخفض.

  • الخسارة المؤقتة (خسارة على الورق)تحدث عندما تنخفض القيمة السوقية للسند في كشف حسابك بسبب عوامل مثل ارتفاع أسعار الفائدة في السوق. تظهر لك أرقام باللون الأحمر، لكنها غير محققة طالما لم تبيع السند. إذا احتفظت به حتى موعد الاستحقاق، ستستعيد كامل رأس مالك، لأن هذا الانخفاض مؤقت ويعكس حالة السوق فقط.
  • الخسارة الحقيقية (الخسارة المحققة): تتحول الخسارة إلى حقيقية في حالتين فقط:
  1. البيع المبكر: إذا بعت السند قبل موعد الاستحقاق بينما سعره أقل من سعر الشراء، ستخسر جزءًا من أموالك.
  2. تعثر الجهة المصدرة: إذا أفلست الشركة أو الدولة التي أصدرت السند، تصبح الخسارة حقيقية لأن أصل المبلغ نفسه مهدد، حتى لو كنت تنوي الاحتفاظ بالسند.

كيف تتعامل مع الفرق؟✍إذا كنت مستثمرًا طويل الأجل وتثق في قوة الجهة المصدرة للسند، فلا تدع الخسارة المؤقتة تقلقك. تذكر أن أسعار السندات تتأرجح صعودًا وهبوطًا خلال فترة الاستثمار، لكن القيمة الاسمية تسترد عند الاستحقاق طالما لم تبيع قبل الوقت المناسب.

كيف تقلل من احتمالية الخسارة في استثمار السندات؟

تقليل المخاطر في السندات ليس أمرًا معقدًا كما يعتقد البعض، لكنه يتطلب فهمًا لطبيعة المخاطر المرتبطة بأسعار الفائدة والتضخم والتصنيف الائتماني. فمع أن السندات تُعد من الأدوات الاستثمارية الأقل تقلبًا مقارنة بغيرها، إلا أن إدارتها بشكل عشوائي قد يؤدي إلى خسائر غير متوقعة. لذلك، فإن اتباع استراتيجيات واضحة ومدروسة يساعدك على حماية رأس مالك وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في محفظتك الاستثمارية.

👌إليك أهم الطرق لتقليل احتمالية الخسارة في استثمار السندات:
  1. الاحتفاظ بالسند حتى موعد الاستحقاق: أفضل طريقة لتجنب خسارة رأس المال هي البقاء مستثمرًا حتى نهاية مدة السند. مهما تغيرت أسعار الفائدة خلال السنوات، ستسترد القيمة الاسمية كاملة عند الاستحقاق، شرط استمرار الجهة المصدرة في عملها.
  2. التنويع بين جهات مختلفة: لا تضع كل أموالك في سند واحد أو دولة واحدة. وزع استثماراتك بين سندات حكومية آمنة وسندات شركات قوية لرفع العائد قليلًا. التنويع يقلل الخطر ويضمن أن محفظتك لا تتأثر بالكامل إذا تعثرت جهة واحدة.
  3. التركيز على التصنيف الائتماني: قبل شراء أي سند، تحقق من تصنيفه الائتماني (AAA، AA، …). السندات ذات التصنيف المرتفع نادرًا ما تتعرض للتعثر، بينما السندات ذات العائد المغري والتصنيف المنخفض تحمل مخاطر أعلى.
  4. اختيار السندات قصيرة أو متوسطة الأجل: السندات الطويلة الأجل أكثر حساسية لتغيرات الفائدة. إذا أردت حماية رأس المال من تقلب السوق، فاختر السندات التي تستحق خلال 3–5 سنوات، فهي تمنحك مرونة أكبر.
  5. البحث عن السندات المحمية من التضخم: للاستثمار في بيئة تضخمية، فكر في سندات TIPS أو ما يعادلها، حيث يرتفع العائد مع ارتفاع التضخم، ما يحمي القوة الشرائية لأموالك.

سر النجاح في استثمار السندات هو الصبر والتنوع. اختر جهات موثوقة وحدد هدفك المالي، وستتمكن من استخدام السندات كأداة قوية لبناء الثروة بأقل قدر ممكن من المخاطر والقلق.

هل السندات تستحق مكانًا في محفظتك؟

بعد استعراض الحالات التي قد تؤدي إلى خسارة المال، يتضح أن السندات ليست آمنة بنسبة 100% كما يظن البعض، لكنها تظل من أفضل أدوات الاستثمار إذا أُديرت بحكمة. غالبًا ما تحدث الخسائر نتيجة البيع المبكر، أو تجاهل تأثير التضخم، أو اختيار جهات إصدار غير موثوقة.

👈للحفاظ على استقرار مدخراتك، اجعل استراتيجيتك واضحة:
  • اختر سندات بعناية بين الحكومية، والشركاتية ذات التصنيف الجيد.
  • نوّع بين جهات إصدار مختلفة لتقليل المخاطر.
  • استثمر الأموال التي لا تحتاجها عاجلًا لتتمكن من الاحتفاظ بالسند حتى موعد الاستحقاق. بهذه الطريقة، تتحول السندات من مصدر للقلق إلى ركيزة قوية لبناء الثروة وحماية رأس المال على المدى الطويل.
تعليقات